|
لماذا المخطوط المغربي ؟
كثيراً ما أُسأل عن سبب اهتمامي بالمخطوط المغربي في الحيازة والتحقيق حيث تزيد نسبة المخطوطات المغربية في مكتبتي على تسعة أعشار ما تحويه من مخطوطات، فأجيب عن هذا التساؤل بتوضيح الأمور التالية:
أولاً : حينما نَصِفُ مخطوطاً بأنه مغربي فإننا لا نُجاوِز وصفَه المادي، إذ إنَّه مغربيٌّ بما كتب عليه من ورق، وما سُطِّرَ به من مِداد، وما رُسِمَ فيه من خطٍّ وزخارف، أما المادة العلمية التي يحويها بين دُفَّتَيه فقد يكون مؤلِّفها مشرقياً، وهذا كثير، حيث كانت آثار العلماء تُنْقَل بين بلدان العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، ويعاد نسخُها كلَّما دعت الحاجة إلى نُسخة جديدة منها، وبالتالي تصدُق نِسبَتُها إلى بلد مؤلِّفِها وبلد ناسخها في الوقت نفسه.
ثانياً : العناية بالمخطوط المغربي تعني العناية بمذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وأئمة المذهب، وتراث علماء المالكية مِن بعده، ولا يخفى أن المذهب نشأ النشأةَ الأُولى في المشرِق حيث دارُ الهجرة، ثمَّ انتقل العراق، فَمِصْر حيث كان شائعاً في القرون الأخيرة قبل أن ينزوي إلى دول المغرب العربي فيستقر ويترعرع وينتشر.
وعليه فإن عنايتنا بالمخطوط المغربي هي من باب أداء واجب العناية بالمذهب المالكي الذي عانى من قصور وتقصير الأتباع والدارسين والمحققين، ولم يَحْظَ - مقارنةً بما حظيت به آثار المذاهب الأُخرى – بما يستحقه من العناية والرعاية ؛ فعَمَدنا إلى الإسهام في أداء ما لا يتم الواجب إلا به من جمع تراث السادة المالكية والعمل على تحقيقه ونشره والتعريف بأعلامه بجهودٍ فرديةٍ وإمكانياتٍ محدودةٍ موقِنِينَ بأن الواجبات أكثر من الأوقات، وأن المهام تنوء بحملها الطاقات.
ثالثاً : إنَّ من يعنيه أمر التراث المخطوط لا يفرِّق بين كتاب وآخر، بل يجمع ما اجتمع، ويُلَفِّقُ ما اتَّفَق، وأنا بدَوْري لا أُفَوِّتُ فرصةً في اقتناء مخطوطٍ، أياً كانت مادَّتُه العِلْمية، وكائناً من كان مُصنِّفُه أو ناسخُه، ولذلك رَكِبْتُ ظُهور المُطِيِّ، ودخلتُ المزادات، ونقَّبْتُ في الجبال والأدغال، ويمَّمْتُ الزوايا والتكايا، في ثلاثين دولة أو يزيد، وجمعتُ من ذلك كلِّه خيراً كثيراً، واتَّفَقَ أنَّ جُلَّ ما وقع في يدي يُنسب إلى المغرب ( بمعنى ما يقابل المشرق، وليس حدود المملكة المغربية المعاصرة ) لكون نُسَّاخِه أو مُلَّاكه مغاربةٌ، ولو قُدِّر لي أن أحُوز مِن المخطوطات المشرقيَّة أكثر مما حُزت لما ترددت، ولكنَّ ما لا يُدْرَك كلُّه لا يُتْرك جُلُّه.
هذا، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
وكَتَب
أبو الهيثم، أحمد بن عبد الكريم نجيب، الشهبائي
مراكش الحمراء في الثالث من ربيع الثاني عام 1429هـ
الموافق للتاسع من نيسان ( إبريل ) 2008م
|